ابن عربي
21
فصوص الحكم
سوى الذات الإلهية وصفاتها ؟ فذاته تعالى سارية في ذوات جميع الموجودات ، وصفاته هي الصور الأولى المتعينة في صفات العالم الخارجي . لهذا قسم المؤلف العطايا والمنح إلى ذاتية وأسمائية . ويستوي في مذهب كهذا أن يسأل العبد ربه أن يمنحه كيت وكيت من صفات الوجود بأن يتجلى له فيها وأن لا يسأل ، فإن الحق يتجلى في كل موجود بحسب الاستعداد الأزلي لذلك الموجود لا يغيّر من ذلك سؤال ولا دعاء . وكل موجود له عينه الثابتة في الأزل يظهر وجوده الخارجي بمقتضاها . هذا هو القانون العام في فلسفة ابن عربي لا يتحول عنه قيد شعرة مهما اختلفت الأساليب التي يعبر بها عنه . من الجهل إذن السؤال أو الدعاء ، فإن كل شيء قد قدِّر أزلًا وسيكون على نحو ما قدر : طاعة أو معصية ، خيراً أو شراً ، حسناً أو قبحاً ، اللهم إلا إذا قدر كذلك أن شيئاً ما لا ينال إلا بالسؤال أو الدعاء . أما الصوفي الكامل فلا يسأل شيئاً بل يراقب قلبه في كل آن ليقف على مدى استعداده الروحي ، لأن قلب الصوفي - وهو مرآته التي التي يرى فيها تجلي الحق - يتغير في كل لحظة مع تغير التجلي الإلهي . واللحظة التي يكون فيها الصوفي حاضراً بقلبه مع الله ويدرك فيها ناحية من نواحي استعداده الروحي هي التي يسميها الصوفية « الوقت » . ولذلك قالوا : الصوفي بِحُكْم وقته ، والصوفي ابن وقته . ومن الصوفية - وهم الصنف الأدنى - من يسأل لا للاستعجال ولا غيره وإنما امتثالًا لأمر الله في قوله « ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ » : وليس المراد بالاستجابة منح الشيء المسؤول فيه دائماً ، فإن المسؤول فيه لا يتحقق إلا إذا اقتضته طبيعة الشيء نفسه ووافق السؤال فيه الوقت المقدَّر له . أما إذا اختلف الوقت فلا استجابة إلا الاستجابة بلفظ « لبَّيك » التي يفرق ابن عربي بينها وبين الاستجابة الحقيقية التي يلزم عنها منح المطلوب . ( 3 ) « فالاستعداد أخفى سؤال » .